خبراء يحذرون من تسلل العنف السيبرني إلى المدارس ويدعون الى مقاربة شاملة لمجابهته

دعا خبراء في المجال التربوي وعلم النفس والاجتماع إلى اعتماد مقاربة شاملة ومتعددة الأبعاد لمجابهة ظاهرة العنف في الوسط المدرسي، معتبرين أن هذه الظاهرة لم تعد سلوكا معزولا أو حادثا ظرفيا، بل نتيجة تفاعل معقد بين ما يبث في الفضاء الرقمي من خطاب كراهية وتنمر، وبين عوامل أسرية وتربوية واجتماعية.

 

وأكدوا، ان انتقال العنف من العالم الافتراضي إلى الواقع المدرسي بات أكثر وضوحا في ظل ضعف التأطير والرقابة، مشددين على ضرورة الانتقال من الحلول الزجرية الظرفية إلى سياسات وقائية مستدامة تقوم على التربية على المواطنة الرقمية، وتعزيز ثقافة الحوار، وتشريك مختلف المتدخلين لضمان بيئة مدرسية آمنة.

 

وتاتي تصريحات الخبراء على اثر الحادثة الأليمة، التي جدت مؤخرا في معهد ثانوي بمنستير، عندما تورط تلميذان في نزاع انطلق على منصات التواصل الاجتماعي، ليتطور إلى اعتداء مادي أسفر عن مقتل تلميذ وإصابة آخر، في مؤشر على كيفية انتقال التوترات من الفضاء الرقمي إلى التفاعل اليومي داخل الوسط المدرسي.

 

فقد أصبحت المؤسسات التربوية، وفق الخبراء، تعكس بشكل متزايد تأثيرات ما يحدث في الفضاء الرقمي، حيث يمكن أن تتحول بعض أشكال العنف السيبرني إلى سلوكيات مادية داخل البيئة المدرسية.

 

وكانت دراسة انجزتها وزارة التربية بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، أظهرت أن المعدل العام لتعرض التلاميذ المتمدرسين للعنف الجسدي بلغ 28.4 بالمائة، وأن نحو 40 بالمائة من حالات العنف الجسدي المسلّط على التلاميذ تصدر عن التلاميذ المتمدرسين أنفسهم. كما اشارت الى أن 57 بالمائة من حالات العنف تقع داخل أسوار المؤسسة التربوية، و25.8 بالمائة في ساحاتها، و19.7 بالمائة داخل قاعات الدرس، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ خلال ساعات الفراغ بنسبة 16.8 بالمائة.

 

مخاطر الخوارزميات المعتمدة في منصات التواصل الاجتماعي

ويرى رئيس الجمعية التونسية لوقاية الطفولة والشباب من مخاطر المعلوماتية، محمد بن نعمان، في تصريح لوكالة تونس افريقيا للانباء، أن الحادثة، التي جدت في معهد في المنستير، تخفي وراءها تحول العنف من الفضاء السيبرني الى الفضاء المادي، معتبرا أن البيئة الحالية كرست لانهيار الوازع الأخلاقي والقيمي مما سهل بروز مختلف أشكال العنف.

 

وأثار مخاطر الخوارزميات المعتمدة من قبل منصات التواصل الاجتماعي، والتي تميل إلى الترويج للمحتويات المثيرة للغضب أو الجدل بما يعزز نسب التفاعل، مبينا أن الطفل يكون في الغالب الأكثر تأثرا بها، نظرا لعدم امتلاكه بعد الوعي الكافي الذي يمكنه من التمييز بين المضامين واختيار الأنسب منها من أخبار ومقاطع فيديو.

 

وأوضح أن هذه الخوارزميات تعزز التفاعلات التي تثير المشاعر، لا سيما مشاعر الغضب، مما يسهم في زيادة انتشار المنصات الرقمية وشهرتها. كما أشار إلى أن خطاب الكراهية، المدعوم تقنيا، يترافق غالبا مع أشكال مختلفة من العنف الرقمي، مثل التنمر، الذي قد تمتد آثاره لاحقا إلى الواقع المادي بعد أن يتفاقم في الفضاء السيبرني عبر مجموعات أو أفراد.

 

وأكد أن الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي أضحى الحاضنة الأساسية وراء عدوى كل أشكال وظواهر العنف في الفضاء السيبرني بسبب انعدام الضوابط الأخلاقية لاسيما ما وجود الجاني نفسه وراء فضاء يتخفى تحت هوية رقمية غير معروفة او مغلوطة ويولد حاجة لديه لاثبات الذات لكن غالبا ما تكون ذات سلبية غير حقيقية.

 

ودعا الى الوقاية من هذه المظاهر العنيفة عبر ادراج مادة التربية السيبرانية أو المواطنة الرقمية في البرامج التعليمية وتحديث لمجلة حماية الطفل حول التحديثات في العالم السيبراني ومتابعة نشاط الأطفال في الفضاء السيبراني والمحتوى الإعلامي لاسيما مع حلول شهر رمضان (2026) وبروز اعمال كما في السابق تطبع مع العنف.

 

محتوى رقمي في منصات التواصل الاجتماعي يكرس للعنف

 

ولاحظ الاخصائي النفسي، مروان الرياحي، "أن مظاهر العنف مرتبط أساسا بالمحتوى المقدم بمنصات التواصل الاجتماعي وهو غالبا ما يكون محتوى يكرس للكراهية والعنف بمختلف أشكاله.

واضاف أن الطفل الذي لم يكتسب بعد الوعي الاجتماعي اللازم في حالة تماهي مع المحتوى والمؤثرين فيقتدي بهم ويختار دور الفاعل العنيف فيسقط في براثن الجريمة.

 

وتابع قوله "مسألة العنف ليس لها علاقة بالادمان انما بالمحتوى والانموذج المتبع"، مبينا أن هذا الانتشار الواسع للظاهرة مرده علاقة التلاميذ بالدراسة التي تغيرت وأضحت غير صحية مما نتج عنه ملء أوقات فراغهم بتتبع المؤثرين".

 

فشل المنظومة التربوية واستقالة الاولياء

واعتبر رئيس الجمعية التونسية للاولياء والتلاميذ، رضا زهروني، في تصريح لوكالة تونس افريقيا للانباء، إن "العنف هو عنوان من عناوين فشل المنظومة التربوية"، معتبرا أن الحل يكمن في اصلاح هذه المنظومة عبر صياغة واعداد استراتيجة للتعامل الحكيم مع العنف ومقاومته عبر سياسات ميدانية تتولى تشريك كل المتدخلين في المنظومة التربوية من أولياء وتلاميذ ووزارات معنية وخبراء ومختصين.

 

ويرى أستاذ علم الاجتماع التربوي، محمد الناكوع، أن الاطفال والمراهقين، في مرحلة بناء الشخصية، "يتأثرون بسلوكيات الكبار من أولياء وأصدقاء ومؤثرين على منصات التواصل، وقد يقعون أحيانا في نماذج سلبية تولد نزعات للعنف.

 

واضاف أن المناخ الأسري غير المستقر وغياب الحميمية، إلى جانب انشغال الأولياء بأنفسهم على وسائل التواصل، يزيد من التأثير السلبي على الأطفال. ويؤكد الناكوع أن الحل لا يكمن في المنع، بل في تأطير الأطفال وتدريبهم على اتخاذ خيارات واعية، مع الإشارة إلى أن الأسرة والمدرسة أصبحتا متأخرتين عن المستجدات التكنولوجية.

 

وأعتبر ان العنف المدرسي هي مسؤولية مجتمعية، تتطلب مزيدا من التوعية لمختلف "مستهلكي التكنولوجيا" وتدريب الأطفال على استخدام التكنولوجيا في انتاج المعرفة وتوظيف هذه التكنولوجيا في المدرسة العمومية حتى تصبح مدرسة مواكبة للعصر واحداث منصات تفاعلية للتعليم والتعامل معها بحذر.

 

وشدّد على ضرورة إيجاد حلول بديلة للانقطاع المدرسي تمكنهم من مستويات مهنية أخرى واكسابهم مهارات جديدة تجعلهم ذوي مردودية تشغيلية هامة في سوق الشغل.

 

وزارة التربية تطلق خطة لتحصين المؤسسات التربوية من العنف

وكانت وزارة التربية قد اعلنت مؤخرا عن استعدادها لإطلاق خطة وطنية لتحصين المؤسسات التربوية من العنف، وأفادت أن هذه المبادرة تندرج ضمن توجه وطني يهدف إلى معالجة ظاهرة العنف المدرسي معالجة شاملة، تقوم على الوقاية والتوعية والتدخل المبكر، وتعتمد مقاربة تربوية ونفسية واجتماعية، بدل الاقتصار على الحلول الزجرية.

 

وترتكز الخطة الوطنية، في أبرز محاورها، على أن تطويق آفة العنف يبدأ بإعداد جيل ناشئ من المتعلمين يمتلك أدوات الوقاية منها، وذلك من خلال نشر ثقافة الحوار داخل الوسط المدرسي، والتشجيع على الاختلاف الإيجابي، واحترام الآخر، والتعبير الحر، ومناهضة جميع أشكال التمييز.

ويعكس التوجه نحو إرساء هذه الخطة اهتمام الدولة التونسية بسلامة التلاميذ وبسلامة الوسط التربوي، كما يندرج ضمن مسعى يرمي إلى تحسين جودة التعليم والسلامة المدرسية، عبر نهج تربوي متكامل يدمج الوقاية والتوعية والاستجابة المناسبة، ويقوم على تعزيز التعاون بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني.

 

ومن المنتظر أن تشمل الخطة الوطنية المرتقبة عدة محاور، من بينها تعزيز ثقافة اللاعنف داخل المؤسسات التربوية، ودعم قدرات المدرسين في مجال إدارة النزاعات، وتطوير آليات الإحاطة النفسية والاجتماعية بالتلاميذ.

 

كما يُنتظر أن تتضمن الخطة إرساء آليات للتدخل المبكر عند رصد السلوكيات العنيفة، واعتماد أساليب الوساطة والحوار داخل الوسط المدرسي، إلى جانب تحسين التنسيق بين المؤسسة التربوية والأسرة والهياكل الاجتماعية المختصة.

 

وكان وزير التربية أن "التعاطي مع حوادث العنف المسجّلة يقتضي اعتماد مقاربة تشاركية، باعتبار أن التربية شأن أفقي متعدد القطاعات"، مؤكدًا في هذا الإطار ضرورة تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع بقية الوزارات والهياكل الحكومية وغير الحكومية.

شارك:

إشترك الأن

المنستير

15° - 21°
الخميس22°
الجمعة21°
تاج الأقمار
عيش الموزيكا
على اجنحة الليل
 إذاعة الزيتونة
حروف و ظلال
حكاية غرام
موسيقى من العالم
مع الطلبة
إذاعة القصرين
حكاية غرام

حكاية غرام

21:00 - 23:00

ON AIR
تاج الأقمار
عيش الموزيكا
على اجنحة الليل
 إذاعة الزيتونة
حروف و ظلال
حكاية غرام
موسيقى من العالم
مع الطلبة
إذاعة القصرين