تونس تسرع وتيرة الانتقال الطاقي وسط جدل بشأن السيادة الطاقية.

صادق المجلس الوطني للجهات والأقاليم، اليوم الاربعاء 13-05-2026، خلال جلسة عامة، على خمسة مشاريع قوانين تتعلق بإحداث محطات لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة في ولايات سيدي بوزيد وقفصة وقابس، بعد مصادقة مجلس نواب الشعب عليها خلال الشهر الماضي.
وتندرج هذه المشاريع ضمن توجه الدولة نحو رفع مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء وتقليص الاعتماد على الغاز الطبيعي المستورد، في وقت يتواصل فيه الجدل بشأن انعكاسات هذه الخيارات على السيادة الطاقية ودور الشركة التونسية للكهرباء والغاز.
وتبلغ القدرة الجملية للمحطات الجديدة حوالي 598 ميغاواط، بكلفة استثمارية تناهز 1،64 مليار دينار. وتراهن الحكومة على أن تساهم هذه المشاريع في خفض كلفة إنتاج الكهرباء، إذ تتراوح أسعار بيع الكهرباء المنتجة بين 98 و124 مليما للكيلوواط ساعة، مقارنة بكلفة تقارب 300 مليم للكهرباء المنتجة باعتماد الغاز الطبيعي المورد.
ووفق المعطيات الرسمية، ستتولى الشركة التونسية للكهرباء والغاز شراء كامل الطاقة المنتجة من هذه المحطات، وهو ما من شأنه أن يخفف من واردات الغاز الطبيعي ويوفر جزء من النفقات بالعملة الأجنبية. كما تؤكد السلطات أن هذه المشاريع تندرج ضمن الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي، الهادفة إلى بلوغ نسبة 35 بالمائة من الكهرباء المنتجة من الطاقات المتجددة بحلول سنة 2030، إلى جانب التزامات تونس الدولية في مجال الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة.
وتنص الاتفاقيات المبرمة مع المستثمرين على منحهم حق استغلال المحطات لفترات تصل إلى 25 سنة، مع إمكانية التمديد في بعض الحالات، قبل أن تعود ملكية المنشآت إلى الشركة التونسية للكهرباء والغاز. كما تتضمن هذه العقود امتيازات جبائية لفائدة المستثمرين، من بينها إعفاءات ضريبية خلال السنوات الأولى من الاستغلال.
لكن هذه الخيارات أعادت إلى الواجهة نقاشا واسعا حول مستقبل المنظومة الكهربائية في تونس، خاصة بعد إقالة وزيرة الصناعة والطاقة مؤخرا، وما رافق ذلك من تساؤلات حول إدارة ملف الانتقال الطاقي.
وترى نقابة الشركة التونسية للكهرباء والغاز وعدد من مكونات المجتمع المدني، أن التوسع في الاعتماد على القطاع الخاص لإنتاج الكهرباء قد يضعف دور المؤسسة العمومية ويحولها تدريجيا إلى مجرد وسيط يشتري الكهرباء من المستثمرين ويعيد بيعها للمستهلكين. وينتقدون خصوصا طول مدة لزمة استغلال المحطات قبل أن تعود ملكيتها إلى الدولة التونسية.
وكان الكاتب العام لنقابة الشركة، إلياس عمار، قد حذر من أن تونس قد تنتقل من التبعية للغاز المورد إلى تبعية جديدة مرتبطة بالسوق الأوروبية للكهرباء، خاصة مع مشاريع الربط الكهربائي مع أوروبا مثل مشروع "إلماد" الرابط بين تونس وإيطاليا.
ويقوم المشروع على مد كابل بحري بطول 200 كيلومتر وقدرة تصل إلى 600 ميغاواط، بدعم من مؤسسات مالية أوروبية ودولية. وينظر إليه من قبل مؤيديه كخطوة استراتيجية لربط تونس بالسوق الأوروبية للطاقة وتعزيز تبادل الكهرباء، في حين يعتبره منتقدوه مشروعا قد يثقل كاهل الشركة التونسية للكهرباء والغاز بالديون ويزيد من تعرض البلاد لتقلبات أسعار الكهرباء في أوروبا.
وفي هذا السياق، أثارت دراسة أعدتها "مجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة" جدلا واسعا بعد تشكيكها في الكلفة الحقيقية للكهرباء المنتجة من الطاقات المتجددة عبر القطاع الخاص. واعتبرت الدراسة أن المقارنة بين الطاقة الشمسية والطاقة التقليدية لا تأخذ بعين الاعتبار تكاليف إضافية تتحملها الشركة التونسية للكهرباء والغاز.
وأوضحت أن محطات الطاقة الشمسية لا تعمل بكامل طاقتها طوال اليوم، بل يرتبط إنتاجها بوجود أشعة الشمس، وهو ما يفرض على الشركة العمومية تشغيل محطات غازية احتياطية لضمان استمرارية التزويد بالكهرباء عند انخفاض الإنتاج الشمسي أو توقفه ليلا. وترى الدراسة أن المستثمرين الخواص لا يتحملون جزءا من هذه الكلفة، رغم اعتماد المنظومة الكهربائية عليها للحفاظ على استقرار الشبكة.
كما انتقدت الدراسة الإطار القانوني المنظم للقطاع منذ سنة 2015، معتبرة أنه منح امتيازات كبيرة للمستثمرين الخواص، من بينها الإعفاءات الجبائية وفترات الاستغلال الطويلة، مقابل تحمل القطاع العمومي جزء كبيرا من الأعباء المالية والتقنية.
وحذرت أيضا من تراجع دور الشركة التونسية للكهرباء والغاز في إنتاج الكهرباء مستقبلا، مشيرة إلى إمكانية انخفاض مساهمتها في الإنتاج الوطني بشكل ملحوظ خلال السنوات المقبلة إذا تواصل نسق الاعتماد على المستثمرين الخواص.
في المقابل، يؤكد عدد من الخبراء في مجال الطاقات المتجددة أن الانتقال الطاقي يمثل ضرورة اقتصادية وبيئية بالنسبة إلى تونس، خاصة في ظل الارتفاع المتواصل لكلفة الغاز الطبيعي وتزايد الضغوط على المالية العمومية.
ويعتبر الخبير في الطاقات المتجددة، علي كنزاري، أن إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يمكن أن يقلص بشكل هام من استهلاك الغاز المورد، مشيرا إلى أن نظام الامتيازات المعتمد في تونس معمول به في عدة دول ويهدف إلى جذب الاستثمارات الضرورية لتطوير القطاع.
ويرى المدافعون عن هذا التوجه أن تحقيق أهداف تونس في مجال الطاقات المتجددة يتطلب تعبئة استثمارات ضخمة قد يصعب على الدولة توفيرها بمفردها، وهو ما يبرر اللجوء إلى الشراكة مع القطاع الخاص.
في المقابل، يدعو منتقدو هذه السياسة إلى اعتماد نموذج بديل يقوم على تعزيز الاستثمار العمومي في الطاقات المتجددة، مع إعطاء دور محوري للشركة التونسية للكهرباء والغاز في إنجاز المشاريع وإدارتها. كما يشددون على أهمية تطوير قدرات تخزين الكهرباء وتحسين البنية التحتية للشبكة قبل التوسع الكبير في إدماج الطاقات المتجددة.
وبين الحاجة إلى تقليص التبعية للغاز المورد والرغبة في حماية السيادة الطاقية، يظل ملف الانتقال الطاقي في تونس محل نقاش متواصل. بينما تعتبر الحكومة أن هذه المشاريع تمثل خطوة ضرورية لضمان أمن الطاقة وخفض الكلفة وتحقيق أهداف الانتقال الطاقي، يرى منتقدوها أنها قد تؤدي إلى شكل جديد من التبعية الطاقية إذا لم تضبط بشروط تضمن مصلحة البلاد ودور المؤسسات العمومية الناشطة في المجال.




18° - 27°