القيروان: "اندلسيات" الفرقة الرشيدية تفتتح الدورة الثانية لمهرجان إسمعان للمألوف

تحت شعار "صنايع ودفوف في حضرة المالوف" احتفت مدينة القيروان بهويتها الموسيقية الأصيلة مساء امس الجمعة في سهرة افتتاح الدورة الثانية لـمهرجان "إسمعان" للمالوف الممتد بين 15 و17 ماي 2026، مع عرض "أندلسيات" للفرقة الرشيدية التونسية بقيادة المايسترو نبيل زميط.
وتجلى عزف فرقة الرشيدية خلال السهرة الافتتاحية للمهرجان كلوحة موسيقية حية تنبض بأصالة التراث التونسي وعراقة المقامات الأندلسية بعد ان اعتلى ركح دار الثقافة أسد بن الفرات تخت موسيقي يضم ثلاثين مبدعا بين عازفين ومنشدين.
وبمجرد أن لامست أنامل العازفين أوتار آلاتهم التقليدية، سرت في الفضاء حالة من التناغم والانسجام الفائق وتوحدت الحركات والنغمات لتعكس خبرة المعهد الرشيدي العريقة التي تأسست منذ تسعة عقود.
وبرعت الفرقة في صياغة عرض "أندلسيات" الذي تركزت معظم فقراته على الوصلات الأندلسية المتوارثة وموسيقى المالوف وتفانت عناصر التخت الموسيقي في إبراز الطبوع التونسية الأصيلة فامتزجت المقامات الشجية لـطبع "الاصبعين" بالطبيعة الإيقاعية لطبع "المحير عراق" لتنقل الحاضرين في رحلة زمنية عبر التاريخ وسط عاصفة من تصفيق الجمهور واستحسانه بين كل وصلة موسيقية وأخرى.
وافاد رئيس المعهد الرشيدي للموسيقى التونسية أنيس الصغير في تصريح لوكالة تونس افريقيا للانباء بان تسمية العرض ب "أندلسيات" يعكس المضمون حيث تشكل موسيقى المالوف والوصلات الأندلسية المعروفة حوالي 80 بالمائة من فقرات الحفل.
واضاف ان استهلال الحفل كان في نوبة "المحير سيكاه"، والتي حظيت بصدى واسع هذا العام بالتزامن مع الاحتفال بتسعينية جمعية المعهد الرشيدي التي تأسست عام 1934، مشيرا الى ان "هذه النوبة، تم تلحينها من قبل الدكتور الراحل صالح المهدي، ولكنها لم تر النور سابقا سوى مع فرقة الرشيدية حيث مكنتها عائلة الدكتور صالح المهدي من النوتة الموسيقية الخاصة بها، وتم تسجيلها وإحياؤها لأول مرة في إطار الاحتفال بتسعينية المعهد الرشيدي".
ولفت الى هذا العرض في القيروان يعد المناسبة الثالثة من نوعها في تونس التي ستعزف فيها نوبة "المحير سيكاه" للجمهور العريض إلى جانب جملة من نوبات المالوف الأخرى في طبوع مختلفة مثل "الاصبعين" و"المحير عراق."
وعن العلاقة بين القيروان والمالوف، أكد المتحدث أن القيروان هي عاصمة الثقافة والفنون، مبينا أن للمالوف في القيروان رواية وخصوصية تختلف عن روايات المدن التونسية الأخرى مثل تستور وبنزرت وزغوان وتونس العاصمة، مضيفا ان الرشيدية تحل ضيفة على مدينة الفنون والموسيقى لتشاركها هذا المخزون التراثي.
وحول سبل حماية هذه الكنوز الموسيقية من النسيان، استعرض متحدث المعهد الرشيدي الجهود الجبارة المبذولة لأرشفة وحفظ هذا الزخم الفني الممتد ل91 عاما، وقال في هذا الاطار "قمنا بتوقيع اتفاقية شراكة مع وزارة الشؤون الثقافية دامت لثلاث سنوات، تركزت بالأساس على حفظ وتثمين التراث الموسيقي والأرشيف الورقي للمعهد، والذي يشمل الصور النادرة والنوتات الموسيقية الأصلية والوثائق الإدارية والتاريخية منذ التأسيس هذا بالإضافة إلى شراكتنا المستمرة مع مركز الموسيقى العربية والمتوسطية (النجمة الزهراء) بهدف الحفاظ على الأرشيف الموسيقي والصوتي ورقمنته في قصر "البارون ديرلانجي".
وتابع قوله: " نحن حاليا بصدد التحضير لاتفاقيات شراكة جديدة تهدف إلى مواصلة تثمين الأرشيف الموسيقي والتسجيلات الصوتية الخاصة بالجمعية، لضمان انتقال هذا الموروث العريق بطريقة علمية وموثقة إلى الأجيال القادمة".
وعلى مدار الساعتين من العزف تآلفت حناجر المجموعة الصوتية مع الإيقاعات والآلات الوترية في حوار موسيقي أضفى على العرض طابعا روحانيا يتناسب مع هوية القيروان كعاصمة للروح والثقافة وفضاء تاريخي متميز لرواية المالوف بخصوصيته المحلية التي جعلت منها صاحبة الرواية الثالثة للمألوف بعد مدينتي تستور وبنزرت.
وشهد بهو المركب الثقافي أسد بن الفرات قبل انطلاق السهرة الافتتاحية ورشة في صناعة العود ومعرضا للفنان الحروفي خالد ميلاد تمحور حول فن المالوف.
أما عن بقية تفاصيل رحلة المهرجان الثقافية في الأيام التالية، أوضح مدير المهرجان حاتم دربال في تصريح ل"وات"، أن السهرات القادمة ستعود لتقام في فضاء "سيدي عبيد الغرياني" العريق ولن تقتصر الدورة على العروض الموسيقية فحسب، بل ستشهد تنوعا ثقافيا يشمل ورشات تكوينية متخصصة في العزف على الآلات التقليدية وندوات فكرية تبحث في أصول وتاريخ هذا الفن.
وفي سياق الحديث عن دور المهرجان في الحفاظ على موسيقى المالوف، شدد دربال على أن الهدف الأساسي هو البحث في الجوانب الخفية والثرية لتاريخ القيروان الموسيقي، واستذكر في هذا الصدد شيوخا من كبار رواة المالوف في القيروان الذين مروا عبر الفرقة الرشيدية، مثل الشيخ بكير والشيخ حمودة الزرقاء والشيخ أحمد الزرقاء، والشيخ حفيظ بشير، مؤكدا على السعي المستمر لترسيخ هذه التقاليد لدى الناشئة والعموم وحفظ ذاكرة المالوف من الاندثار.
وختم دربال التصريح قائلا "انه لا يمكن بناء شخصية للإنسان دون هوية، ولا يمكن لأي منطقة أن تعبر عن نفسها دون تقديم مخزونها التراثي والأثري الذي يعكس تاريخها" مؤكدا في النهاية أن "مدينة القيروان جديرة بهذا كله".




17° - 22°








