في افتتاح مهرجان "مواسم الإبداع": مسرحية "المجنون" تدعو الجمهور إلى السفر نحو عوالم شاسعة تتجاوز قتامة الواقع

كان جمهور المهرجان الوطني للمسرح التونسي "مواسم الإبداع" في سهرة افتتاح دورته الرابعة، على موعد مساء أمس الجمعة، على موعد مع مسرحية "مجنون" للمخرج توفيق الجبالي، الذي اختار أن يُعيد عرضها بنسخة جديدة بعد إنتاجها منذ أكثر من عشر سنوات.
يرتكز هذا العمل بالأساس على نصوص جبران خليل جبران مترجمة بالعربية عن كتابه "المجنون"، أول كتاب له باللغة الإنجليزية، تحمل المتفرج إلى عوالم شاسعة، تتجاوز الواقع وتجعل من الخيال منفذا لقتامة الحياة.
يقول ملخص المسرحية، "إننا بحاجة الى صوت يدعو لنا بالإنسانية، يدعو لنا بالرحمة، إلى صوت يطغى على أصوات التسلط والإقصاء والجبروت، صوت نبوي، صوت روحاني".
بإلقاء جميل وعربية متقنة، انطلقت المسرحية بنسق هادئ، بأداء كل من الممثلات آمال العويني وأمينة بديري وياسمين الديماسي.
سرعان ما تغير النسق، وأصبح الركح فضاء للحركة الحرة والتمرد والفوضى الفكرية، جعلت من عشاق الفن الرابع يتابعون مختلف المشاهد بتمعن، لما تحمله من معان خفية ورسائل مبطنة، قد تختلف طريقة تأويلها وفهمها من شخص إلى آخر.
ظهور الممثل مروان الروين على الركح، برهن رغم كثافة النص في هذا العمل، على قدرة المسرح الصامت على التعبير وترجمة الانفعالات سواء كانت حالات حزن أو فرح أو غضب أو خوف.
في عوالم قاتمة وأصوات موسيقى صادمة وصاخبة استطاعت خدمة النص الذي أضاف إليه توفيق الجبالي، كتاباته الخاصة حسب رؤيته للعمل، سافر المتفرج إلى مكان آخر، يُشبهه أو يعكس بالأحرى حقيقته ودواخله.
ومثل حضور النساء على هذه الخشبة، مادة مسرحية هامة، حيث لم يكن غضبهن على المسرح حركة مجانية، فهذا الغضب يُعد شكلا من أشكال المقاومة في وجه الظلم والقهر وهيمنه أصحاب السلطة، وليس بفعل "هستيري" كما يصفها الفكر الذكوري أو محاولة للتنفيس، إذ يُصبح الغضب فعلا سياسيا، وضروريا لإحداث التغيير. كما كانت الإيماءات التي يصنعنها على المسرح وتنوع تعبيراتهن حركة تبرز تنوع النساء واختلافهن، رغم محاولات تنميطهن ووضعهن في قوالب، مثلما وُضعن على خشبة المسرح في حجرات متحركة.
وراوحت المسرحية بين المشاهد الحية والإسقاط الضوئي لرسوم جبران خليل جبران وأخرى تمثيلية، جعلت من السياقات الزمانية والمكانية غير ثابتة، تُحيل على كثافة العوالم وتنوعها.
ارتدى الممثلون على خشبة المسرح، في بعض المشاهد، ملابس يرتديها المقيمون بمستشفيات الأمراض العقلية، وعبروا عما يخالجهم بحرية، حيث تُصبح الحركة في هذا الفضاء، أكثر انسيابا ودون قيود، تحمل شرعية الجنون والفوضى، وهو ما كان جليا في لغة أجساد الممثلين الذين اختاروا الصمت على الكلام، والتفاعل مع النص.
بين التصوف والشك في الإيمان، كانت المسرحية، محل تفكير وتساؤل حول المسلمات وتأويل الأحداث والحقائق.
أعاد المخرج توفيق الجبالي إنتاج وتقديم هذه المسرحية في محطات عديدة برؤى وإخراج متجدد (منها في أعوام 2017 و2023).
وأدى الأصوات كل من توفيق الجبالي وهندة بن رحيم ونضال قيقة ودرة زروق وشاكرة رماح، أما التصور السينوغرافي فيعود لكل من حاتم الفرشيشي وتوفيق الجبالي.





17° - 21°



