نحو إدارة عملية للمواقع الثقافية والمجموعات التاريخية: ورشة وطنية تبحث في سبل الحماية والتثمين

في إطار سعي وزارة الشؤون الثقافية إلى تطوير آليات التصرف في التراث، انتظمت يوم الاثنين 11 ماي 2026 بقاعة المبدعين الشبان بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، ورشة عمل علمية تحت عنوان “نحو أمثلة إدارة عملية للمواقع الثقافية والمجموعات التاريخية”، وذلك بإشراف الإدارة العامة للتراث (إدارة المحافظة على التراث وتثمينه)، وبمشاركة عدد من الخبراء والإطارات المختصة والفاعلين في مجال التراث.
وقد مثّلت هذه الورشة محطة علمية هامة وفضاءً تشاركيًا لتبادل الخبرات والتجارب، حيث تم التطرق إلى أبرز التحديات التي تواجه إدارة المواقع الثقافية والمجموعات التاريخية، خاصة في ظل تعقّد المسارات القانونية وتداخل المتدخلين، إلى جانب الحاجة الملحّة لاعتماد مقاربات عملية وناجعة تضمن حماية هذا الرصيد الوطني وتثمينه.
وافتُتحت أشغال الورشة بالتأكيد على أهمية هذا اللقاء في دعم الحوكمة الثقافية وتعزيز المقاربة التشاركية، بما يتيح تطوير أدوات التصرف في التراث، وتحقيق التوازن بين متطلبات الحماية وضرورات التنمية.
وشهدت الورشة سلسلة من المداخلات العلمية التي تناولت جملة من المحاور الأساسية، من بينها الإطار القانوني المنظم للمواقع الثقافية والمجموعات التاريخية، حيث تم التذكير بالتعريفات التي أقرها المشرع التونسي، باعتبار المواقع الثقافية شاهدة على تفاعل الإنسان مع محيطه الطبيعي، إلى جانب المجموعات التاريخية التي تمثل نسيجًا عمرانيًا ذا قيمة تاريخية وجمالية وفنية.
كما تم التطرق إلى الإجراءات القانونية الخاصة بإحداث هذه المواقع، والتي تمر عبر مرحلتين أساسيتين: تتمثل الأولى في إصدار قرار مشترك إثر رأي اللجنة الوطنية للتراث، في حين تتعلّق المرحلة الثانية بالمصادقة على مخططات الحماية والإحياء. غير أنّ المتدخلين أبرزوا تعثر استكمال هذه المسارات في عديد الحالات، وهو ما يجعل عددًا من المواقع الثقافية والمجموعات التاريخية غير محمية بشكل فعلي من الناحية القانونية.
كما تم التشديد على ضرورة توثيق التجارب وتعزيز استعمال التقنيات الحديثة في الرقمنة، باعتبارها أداة أساسية لحفظ الذاكرة التراثية وتطوير طرق التصرف فيها.
وتناولت المداخلات تجارب مقارنة، من بينها نموذج المدينة العتيقة بسوسة، إضافة إلى عرض منظومات التصرف وفق التوجهات الدولية، مع التطرق إلى مكونات نظام التصرف وخطوات إعداد مخططات التصرف ومحتواها، إلى جانب مقارنة بين مختلف الآليات المعتمدة، خاصة بين مخططات التصرف وأمثلة الصيانة والإحياء.
ومن بين أبرز المقترحات التي تم طرحها، اعتماد “الترتيب التهيئي العمراني” كآلية عملية لحماية وتثمين المواقع الثقافية والمجموعات التاريخية، وهو ما يُعتمد فعليًا في عديد الحالات، رغم الحاجة إلى تأطيره قانونيًا بشكل أوضح، بما يضمن نجاعة التدخلات ويحفظ خصوصية هذه الفضاءات.
وفي نفس الاطار، نظّمت هذه التظاهرة ورشات تطبيقية مكّنت المشاركين من التعمّق في مختلف الإشكاليات المرتبطة بإدارة المواقع الثقافية، حيث تم التطرق إلى الإطار القانوني والدكتريني للتصرف، ومسؤوليات الدول الأطراف في الاتفاقيات الدولية، إضافة إلى آليات الحماية المعتمدة.
كما تناولت هذه الورشات مكونات نظام التصرف وفق التوجهات الدولية، مع التركيز على خطوات إعداد مخططات التصرف ومحتواها، إلى جانب تقديم مقارنة بين النظام المعتمد في تونس ونماذج أخرى، خاصة من خلال المقارنة بين مخططات التصرف وأمثلة الصيانة والإحياء، وهو ما أتاح للمشاركين فهم الفوارق وتحديد نقاط القوة والضعف.
وقد أفرزت هذه المقاربة جملة من التصورات الهادفة إلى تحسين نجاعة منظومة التصرف في المواقع الثقافية، من خلال استلهام أفضل الممارسات الدولية وتكييفها مع الخصوصيات الوطنية، بما يضمن تحقيق توازن بين الحماية والتثمين.
وفي ختام أشغال الورشة، تم التأكيد على أهمية تفعيل الآليات القانونية وتسريع استكمال إجراءات الحماية، إلى جانب تعزيز اعتماد الرقمنة والتوثيق، ودعم التنسيق بين مختلف المتدخلين، بما يكرّس مقاربة تشاركية قادرة على ضمان استدامة المواقع الثقافية والمجموعات التاريخية وتثمينها كرافد أساسي للتنمية الثقافية.




19° - 29°







